P B B Y

كتاب لوشيانا سافاغيت

الاثنين 10 شباط (فبراير) 2014 ::::: admin

عقد المجلس العالمي لكنب اليافعين ومؤسسة تامر في خريف 2009 لقاء مع الكاتية البرازيلة لوشيانا سافاغيت خلال زبارتها لفلسطين المحتلة وكانت هذه زيارتها الثانية. وقام الدكتورشريف كناعنة بتقديم ومراجعة كتابها "عملية إنقاذ بغداد" وهو كتاب ضد الحرب على العراق وتضامنا مع الشعب العراقي، تبعه تقاش حيوي عام من قبل الحاضرين. هذا وكانت مؤسسة تامر قد قامت بنشر الطبعة العربية من الكتاب.

وكانت مفاجأة جميلة حين أهدت لوشيانا النسخة الأولى من كتابها الجديد "عميلة إنقاذ في فلسطين"

Operation Rescue in Palestine

لجهان حلو في مؤتمر "إيبي" الأخير في إسبانيا.

كتاب "عملية إنقاذ بغداد" تقدبم ومراجعة د. شريف كناعنة

أرادت الكاتبة لوشيانا سافاغيث أن تكتب، عن موضوع معاصر استثار خيالها، رواية تشبه روايات الخيال الشرقي لتوصل رسالة إلى العالم تعبر فيها عن رأيها حول ما يجري في العراق.

واختارت الكاتبة أن توصل رسالتها إلى العالم من خلال الأحداث فهي تهدي روايتها إلى "علي إسماعيل عباس .... ابن الثانية عشرة".

خلاصة رسالتها كما فهمتها أنا أن مجتمعاً ماديّاً بدون تاريخ ثقافي أو حضاري، وبدون تراث روحي، سحري، أو خيالي يقوم بتدمير مجتمع ذي تاريخ وتراث فكري وسحر وخيال ويهدم أقدم وأرقى حضارة، احتاج بناؤها عدة آلاف من السنين: البربرية الغربية المادية تهدم الحضارة الروحية الشرقية.

واضح أن الكاتبة تقلد في روايتها قصص "ألف ليلة" فهذه هي مرجعيتها كما تظهر من أسلوب الكتابة الخيالي السحري ومن أسماء العديد من أبطالها ومن مغامراتهم الخيالية الشبيهة بأسماء أبطال ألف ليلة وليلة ومغامراتهم أو المقتبسة عنها مباشرة.

استطاعت الكاتبة أن توصل إلى القارئ بعض ما أرادت إيصاله بسهولة فرأيها بالحرب وبطرفي الصراع واضح بالتعابير الصريحة أحياناً وبالرموز والتلميحات أحياناً أخرى. فالحرب "لا معنى لها، كأي فعل عنيف" (ص2) وهي "تفطر قلوب الشعب العراقي .... فليذل الله من يدمر العراق!" (ص3-4)، وهي "تلك الحرب القذرة". (ص11) و"لا يوجد من لا يقع في الأحزان من كل هذه البربرية". (ص27) ... الخ.

أما رأيها بالأمريكيين وحلفائهم فهو واضح من خلال العديد من التعابير الصريحة فهم "أعداء الأحلام" (ص5)، وهم جنود يتصفون بـ "غياب الإحساس ... الذين يُخيّل أنهم وصلوا من مجرات بعيدة، ولا من الضفة الأخرى للمحيط" (ص6).

الذين أدى غياب الإحساس لديهم إلى أن "سبعة آلاف سنة من التاريخ دمرت في ثمان وأربعين ساعة" (ص8). هؤلاء هم "الجنود الغزاة" و"المخربين الجدد" أصحاب "الدبابات الغازية" (ص12) اللذين "يجهلون ثقافة الشعوب، كل الشعوب" (ص13) يخشون "أن تقوم الأحلام بتدمير القوة العمياء، وأن تحقق السلام" (ص28). "أولئك الجنود المدججون بالبنادق والرشاشات كانوا يبدون من عالم آخر، ولا يفهمون إلا لغة العنف، فهم لم يعرفوا مصطلح عالم الخيال". (ص32).

هذه التعابير واضحة ومباشرة ولكن هناك عدداً من الرموز والتشبيهات والتلميحات والتي أعتقد من السياق ومن المقارنة بالمواقف والتعابير الصريحة أنها تشير إلى الأمريكيين وقيادتهم وحلفائهم، ولكن الكاتبة هي الوحيدة التي تعرف بالتأكيد إذا كانت هذه الرموز والتشبيهات هي مجرد خيال لا يحيل إلى شيء في عالم الواقع، وإذا لم تكن كذلك فلمن تشير. فعندما يكتب "عبد الله" من بغداد إلى "العزيزة مديرة الإرث الثقافي" ليخبرها ب "اختفاء مصباح علاء الدين" ويضيف، "أن قلقنا شديد جداً أن يقع هذا المصباح الثمين في أيدي أشخاص أشرار، لأن العالم سيضيع بسبب ذلك" (ص5) فمن هم هؤلاء الأشرار الذين يردون القضاء على العالم؟ ثم عندما قيل أن المصباح "يحمل أن يكون في يد مسيلمة، أعدى أعداء الدين" (ص35) فمن هو مسيلمة؟ وعندما وصلت الحملة لإنقاذ الرواة إلى "حديقة تحت الأرض" ووجدوا فيها العديد من الرواة وبينهم راو اسمه "سلام" وكانت حياة هؤلاء تتعرض للخطر، فكان من الضروري "تحريرهم من عقارب الصحراء". خصوصاً وأنه كان "هناك عقارب تتحرك على وجه سلام بالذات" (ص24) هل هذه العقارب حقيقية أم رمزية؟ وإذا كانت رمزية فلمن أو لماذا ترمز؟

وأخيراً فإنها تقترب كثيراً من تشبيه ما يعمله الأمريكيون في بغداد بما عمله النازيون في فارصوفيا أثناء الحرب العالمية الثانية (ص5). عندما نأتي إلى رأي لوشيانا سافاغيث بالطرف الآخر، العراق فهي لا ترى طرفين للحرب وإنما معتدٍ ومعتداً عليه، مجرم وضحية، والعراق، هو مجرد ضحية وليس طرفاً في الحرب، فهي تكيل للعراق والشرق ككل، في حاضره وماضيه، المديح والتفخيم والتمجيد. ف."بغداد، أحدى العواصم الأكثر قدماً ومهابة في تاريخ الإنسانية" (ص3) وهي "مهد الحكايات والأساطير" (ص5) ولها "سبعة آلاف سنة من التاريخ" لذلك فإن"المتحف الوطني العراقي [هو] الأكثر غنى في العالم،" (ص8). في العراق "ظهرت أولى الحضارات التي نعرف عنها، وهي أكثر قدماً من اليونانية والرمانية" (ص9) وفيها وجدت "الألواح التي سجلت اختراع الكتابة" (ص28) و"منابع الإلهام" (ص 31) لذلك يجب "إنقاذ ذلك الكنز الثمين للإنسانية" (ص39).

والحقيقة أن الكاتبة لا تكتفي بإيصال وجهة نظرها الذاتية في الحرب وفي طرفي الصراع بل أنها تطرح عدداً من النظريات الجدية التي تسترعي النظر وتستحق الاهتمام والدراسة والمناقشة.

نحن نعرف مثلاً أن العالم الغربي اليوم يعيد جذور جميع العلوم الحديثة وجميع مقوّمات الحضارة إلى الإغريق وكأنها كلها وُلدت وترعرعت في بلاد اليونان، وقد يعزون إلى العرب والمسلمين فضل ترجمتها والحفاظ عليها دون أي تغيير أو تعديل وإضافات إلى أن عادوا من نهاية العصور الوسطى فسلموا تلك الأمانة إلى أصحابها الأوروبيين كما هي – أما ساغاغيث فإنها تطرح في روايتها رأياً يقول أن اليونان في الحقيقة استقوا جذور حضارتهم من حضارات بين النهرين، وبذلك تكون حضارات ما بين النهرين هي المنبع الأساسي للحضارة الأوروبية المعاصرة حتى لو قبلنا أن العرب والمسلمين لم يضيفوا شيئاً إلى الحضارة اليونانية القديمة، وهذه نظرية جديدة وراديكالية أيضاً فرواية سافاغيث تقول أنه عندما اقتُحمت وأُحرقت المكتبة الوطنية في بغداد كان بين "الوثائق الخاصة بالآشوريين والبابليين ... مخطوطات يدوية لكُتّاب إغريقيين من القرن الثاني قبل الميلاد". (ص9). "كما كانت هناك رفوف من نصوص اللاهوت والهندسة والفلك والتنجيم والشعر" وأن "بعض الكتب يشرح فتوحات الرياضيات، أو كثير منها وضعه دارسون أو ضحوا نظرية نسبت لاحقاً إلى فيثاغورس، قبل ألف وخمسمائة سنة من ولادة هذا العالم الإغريقي" (ص25).

نظرية من نوع آخر تطرحها الكاتبة في روايتها وتدور حول سايكولوجية بني الإنسان من حيث العلاقة بين الخيال والروح والجسد. ففي محادثة تلفونية بين رئيسة بعثة الإنقاذ وصديقها فلاديمي كالس تطمئن قائدة البعثة صديقها قائلة "لا تقلق... في كل لحظة ضعف اتجه نحو الخرافة لا يستعيد معنوياتي. بالنسبة لي، الفيتامين المفضل للروح أجده في حكايات ألف ليلة وليلة". ويجيب فلاديمي كالس "أوافقك الرأي تماماً. الحياة الواقعية لا معنى لها بلا خيال، وما يحركنا هو العالم السحري الذي يحيا في دواخلنا" (ص26) ويعود كالس بعد قيل ويكرر اتفاقه معها بالرأي بكلمات أخرى فيقول: "تعلمنا المعرفة أنه كما يغذي الخبز الجسم، فإن النتاج الخيالي يغذي الروح. وما نفع احدهما دون الآخر؟" (ص27).

النظرية الثالثة التي جلبت انتباهي في الرواية تدور حول تعريف "الإرهاب" وطبيعته. وهذه النظرية في غاية الجدية والخطورة إذ أنها ترى أنه لا يوجد شيء حقيقي اسمه إرهاب بشكل مطلق وإنما القضية قضية وجهة نظر والإرهاب مجرد تهمة يوجهها "عالم المادة" إلى "عالم السحر والخيال" الذي يهدد مصالحه فنحن نجد فائدة حملة الإنقاذ تقول في تقرير ترسله إلى جون ستيفن من المتحف البريطاني، "لقد أسِرَت القوات الغازية عدداً من رواة الحكايات، بذريعة أنهم شاركوا في الإرهاب في ذلك البلد، وأنهم بحماية النتاج الخيالي ونشره، ما يعتبرونه في المقام الأول، وبشكل خطير، للمصالح المادية للقوة المهيمنة الآن.

"التخيل هو بذرة الأحلام. ويخشى جيش الاحتلال أن تقوم الأحلام بتدمير القوة العمياء، وأن تحقق السلام، .... وبالنسبة لهم، فإن عمل روائيينا يعادل شكلاً من أشكال الإرهاب، وتهديداً اكبر من أية مقاومة مسلحة" (ص28) وتضيف بعد قليل "والسجناء متهمون بتشجيع الإرهاب في المنطقة، لأنهم يروجون للتخيلات وللبهجة".

وحسب هذا المنطق يكون من يُدعون بالإرهابيين هم خيرة وصفوة بني الإنسان، ومن يطاردونهم ويقتلونهم هم المجرمين الحقيقيون الذين لا يهتمون إلا بالمكاسب المادية ويحتقرون كل ما له قيمة في حياة بني الإنسان، وهذا منطق قد يؤيده الكثيرون من المظلومين والمعتدى عليهم من أبناء الشرق الأوسط بشكل خاص وآسيا وإفريقيا بشكل عام.

هذه الرسائل كلها نجحت الكاتبة في إيصالها إلى القارئ بسهولة ولكن هل نجحت الكاتبة في خلق قصة خيالية سلسلة يسرح القارئ معها في عالم الخيال وينسى عالم الواقع كما يحدث له عندما يقرأ قصص ألف ليلة ويحلّق في الخيال مع شهرزاد وشهريار؟ أجابتني على هذا السؤال أنها لم تنجح، خصوصاً إذا كان المقصودون في روايتها هم الأحداث.

فالكاتبة تستعير شخصيات خيالية من روايات خيالية خُلقت في عصور سابقة لتقوم بأدوار خيالية غير أدوارها الأصلية في رواية خيالية حول أحداث تدور في الوقت الحاضر وفي مكان محدد فتخلق بذلك عدة مستويات من الخيال ولكنها لا تحافظ على تمييز تلك الطبقات عن بعضها فتختلط على القارئ ويضيع فيها وبينها. ولا تسمح الكاتبة للقارئ أن ينسي نفسه وواقعة ليسرح في عالم الخيال الذي تريد خلقه إذ أنها تعيده بعد كل شطحة قصيرة مع الخيال إلى عالم الواقع عن طريق الإشارة إلى التلفون أو الفاكس أو الانترنت أو إلى مواقع أو أحداث من عالم الحقيقة الحالية في حرب العراق وكلها حقيقية وواقعية بالنسبة للقارئ، إلى درجة لا يستطيع معها أن يدمجها مع عالم الخيال فكأنها توقظه من حلم لا يكاد يبدأ حتى ينتهي وتحول أحلامه إلى كوابيس.

ولا يتوقف الخلط عند مستويات الخيال بل تتعداه إلى شخصيات الرواية فبعضها شخصيات مألوفة من التاريخ الحقيقي مثل حمورابي ونبوخذ نصّر وهارون الرشيد وقيس بن الملوح وبعضها شخصيات خيالية من روايات خيالية مثل شهرزاد وعلي بابا وسندباد البحري ومجموعة ثالثة تخلقها الكاتبة من الواقع الحالي ولا تاريخ لها، خيالياً كان أو واقعياً، مثل أمير حمّود ومحسن أمين وفلاديمي كالس.

القارئ المثقف (الشرقي بشكل خاص) الذي يعرف معظم الشخصيات من التاريخ لا يستطيع أن يتصور أو يستسيغ التفاعل بينها، فما الذي يمكن أن يقوله قيس ابن الملوّح لآشور بانيبال أو حمورابي وما الذي يبحثه فلاديمي كالس مع قيس بن الملوح. أما القارئ العادي، وابن الثانية عشر بشكل خاص، وغير الشرقي بشكل أخص، فماذا يعرف عن هذه الشخصيات وكيف يتذوق سلوكها إذا لم تكن له معرفة بنكهتها وصفاتها؟ ما الذي يعرفه طفل أو حدث من البرازيل عن قيس بن الملوّح أو هارون الرشيد أو حتى شهرزاد؟ أليس من المتوقع أن يقتله الملل من تكرار مثل هذه الأسماء؟

وقد جعلتني الراوية أتساءل: ألم يكن إيصال رسالة الكاتبة حول ما يجري في العراق أسهل وأنجح لو أنها قدمت للقارئ نوعين من الدراسات التوثيقية: توثق أحداهما الانجازات الحضارية والعلمية والفكرية والأدبية لسكان ما بين النهرين عبر التاريخ، وتوثق الثانية ما دمّره الغزاة المعتدون حقيقة من هذا التراث حتى الآن، وما ارتكبوه من مجازر. أنا شخصياً كنت أُفضّل ذلك!

الواقع في العراق أغرب من الخيال وأكثر منه تأثيراً في النفس، ولكن أترك القرار النهائي لكل قارئ ليحكم بنفسه بعد قراءة الرواية مرة على الأقل، إن لم يكن مرتين كما فعل كاتب هذه المقدمة.

اتفق الحاضرون مع عرض وملاحظات الدكتور شريف كناعنة ولكن تم الإشارة الى أن المشكلة الأساسية وهي الترجمة التي كانت ركيكة أفقدت الكثير من اسلوب الكتاب وسلاسته، إذ أن الترجمة كانت من البرتغالية الى الإسبانية، ومن الإسبانية الى العربية (تغلبت مؤسسة تامر بهذه القضية كثيرا وبتحرير الترجمة لتصبح مقبولة).


| | خريطة الموقع | الزوار : 165 / 127581

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع فلسطين: فعاليات   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC